|
*__الأسرة__*
سوء معاملة الوالدين للأولاد :
حماقة الآباء في الإساءة إلى الأبناء
إن بعض الآباء والأمهات يأتون من الأفعال ما يمكن أن نسميه
حماقة بكل معنى الكلمة
إن بعضهم يسئ كل الإساءة إلى ولده ، ويسلك معه كل مسلك
خاطئ وسبيل أعوج ، ويعامله بكل أسلوب عقيم ومعاملة شاذة
... ثم بعد ذلك يريد منه أن ينشأ قويماً مستقيماً ، باراً
رحيماً ، عطوفاً حليماً .
وينسى هؤلاء أنهم بطريقتهم تلك يكلفون الأمور ضد طبائعها ،
ويطلبون منها عكس نتائجها ، فيصدق فيهم قول الشاعر الحكيم
:
ومُكَلَّفُ الأشياء ضد طباعها *** متطلِّبٌ في الماءِ
جذوةَ نار
فالذي يغرس العلقم لا يجني إلا الشوك ، والذي يحرث في
البحر لا يحصد إلا الوهم ، والذي يسئ معاملة ولده لا يعود
عليه عمله هذا إلا بولد عاق وذرية ناشزة
إصلاح الذرية ... أهم من ألف قضية
إن قضية تربية الشباب والفتيات قضية ليست بالمزاج الفردي
والرغبة الشخصية ، إنها قضية لا تقل أهمية عن أي قضية
اجتماعية أو اقتصادية
أو سياسية ينذر المرء لها نفسه وجهده ،
كما إنها تحتاج إلى إدارة قوية ، وخبرة جيدة ، واستشارة
صادقة ،
حتى نضمن لأنفسنا شباباً مستقيماً وفتيات أمينات .
هب أنك أردت استنبات غرسه ! ألا تلجأ إلى مزارع ماهر
تستشيره .
وهب أنك أردت بناء بيت ولو صغير ! ألا تعهد بأمر بنائه إلى
بنّاء قدير متمرس .
إذاً أفيكون والدك وثمرة كبدك ، أو فتاتك وبُضعة نفسك ،
أقل شأناً لديك ، وأهون أمراً عندك ، وأدنى خطراً في نظرك
، من بذرة تلقيها في الأرض ، أو بيت تستظل بأحجارة ؟!.
والقسوة ليست هدفاً .... كالدلال
عجباً لبعض الآباء والأمهات في معاملتهم لأبنائهم أو
فتياتهم .
يحسب هؤلاء أن التقويم لا يتم إلا بالضرب ، وأن التعليم لا
يتم إلا مع التحقير، وأن الإِرشاد لا يكون إلا مع الصراخ ،
وأن الهداية لا تأتي إلا مع الخوف والرهبة .
أو يحسب هؤلاء أن تربية الأولاد لا تكون إلا بإحصاء
أنفاسهم ،
أو إغلاق الأبواب عليهم ،
أو محاسبتهم على كل شاردة وواردة في يوميهم وليلهم ،
أو كبت عواطفهم ونوازعهم أو معارضة مطالبهم وصد رغباتهم .
أوْ يحسب هؤلاء أن تربية الأولاد إنما هي عملية إطعام
وشراب ،
وسروال وجلباب ، وبيت ملئ بأصناف الألعاب ، وهزل وبذخ بلا
حساب ،ورحلات شيقة مع الأتراب .
كل ذلك صور سيئة من أفعال خاطئة نمارسها يومياً مع أبنائنا
ونحن نتولى تربيتهم ، أو نكتفي بإطلاق الحبل على الغارب
والاهتمام بالنواحي الجسدية والمعيشية فقط دون سواها .
ومثل تلك المعاملة والأخطاء لا يمكن أن تؤمن لنا شباباً
قوي الساعد والإرادة مستقيم السلوك في السر والعلن رحيم
القلب تجاه والدية ومجتمعه ، وإنما مردود القسوة في
تربيتهم نفورهم منا ، ونتيجة محاسبتهم كالكبار على كل خطأ
أن تنقلب حياتهم إلى خوف وتردد ونتيجة الاهتمام بحاجياتهم
المادية فقط أن تنمو الرغبات ولأحاسيس الجسدية بلا رادع
ولا رقيب ، ولا ضابط ولا حسيب .
إلزموا أولدكم .... وأحسنوا أدبهم
إن تربية الأولاد فن عظيم اعتنى به الإِسلام أيما عناية ،
وجعل له من نظامه أعظم نصيب ، فالإِسلام يأمر بالرفق
والحنو وحسن المعاملة ولين الجانب ، يقول سبحانه:
{وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ}
(1)
ويقول علية الصلاة والسلام
" إنْ أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق ، وإن
الرفق لو كان خَلْقاً لما رأى الناس خَلْقاً أحسن منه ،
وإن العنف لو كان خَلْقاً
لما رأى الناس خَلْقاً أقبح منه "
(2)
والإسلام يأمر أن نترك لأولادنا فسحة في حياتهم ، بحيث
يحسنون بإغضاء الوالدين عن بعض الهفوات وقليل الزلات ، حتى
يشعر الولد بالندم من تلقاء نفسه ، ويشكر لأبيه حسن صنعه .
إياكم .... أن تعقوا أولادكم
أولادكم أمانه في أعناقكم ، وأنتم مسؤولون عن انحرافهم إن
انحرفوا ، وأنتم أيضاً محمودون على استقامتهم إن استقاموا
.
وإن من حسن المعاملة وحكمة التصرف : أن يكون حالنا مع
أولادنا كما قال الأحنف بن قيس لمعاوية ينصحه في أمر يزيد
، الذي أغضب أباه ، فقال الأحنف عن البنين عموماً :
( هم ثمار قلوبنا ، وعماد ظهورنا ، ونحن لهم أرض ذليلة ،
سماء ظليلة .
فإن طلبوا فأعطهم ، وإن غضبوا فأرضهم ، فإنهم يمنحونك ودهم
، ويحبونك جهدهم ، ولا تكن عليهم ثقيلاً ، فيملوا حياتك
ويتمنوا وفاتك ) .
فإن الناشئة والجيل الصاعد يحتاج إلى معاملة حسنة حكيمة ،
لا إفراط فيها ولا تفريط ، حتى يكون خيراً لنفسه ، عمدة
لمجتمعه ، براً بوالديه ، أميناً على دينه وأمته .
وإلا فإن سوء المعاملة : بذور لحنظل وهي بالتأكيد الخطوات
الأولى في طريق الانحراف الرهيب .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
سورة آل عمران :159
(2)
رواه أحمد في مسنده .
من كتاب : ( المراهقون ظاهرة الانحراف أسبابها وعلاجها
) باختصار
المؤلف : عبد الله نجيب سالم
الطبعة الأولى 1414هـ 1994 م
|